هل قمت ذات صباح بتكرار التوكيدات أو التأكيدات اللإيجابية وكلك تفاؤل بأن هذه التأكيدات سيكون لها فعل السحر على مستقبلك، ثم صدمت بأن الواقع استمر كما هو؟ لا تصابي بالاحباط يا عزيزتي فالسر لا يكمن في صياغة التأكيدات الإيجابية فقط، بل هو أعمق من مجرد صياغة! كيف ذلك استمري في القراءة.
سيكولوجية التوكيدات: كيف تعيد برمجة عقلك لتحقيق واقع أفضل؟
التوكيدات ليست مجرد جمل مكررة، بل هي أداة نفسية تعتمد على قوة الكلمات لإعادة صياغة التحدث مع الذات. تعمل هذه العملية على استهداف العقل الباطن، وهو المسؤول عن تخزين القناعات والمشاعر التلقائية. عندما تقوم بعملية صياغة التأكيدات الإيجابية وممارستها بوعي، أنت تقوم بعملية “تحديث” للملفات الذهنية القديمة واستبدالها بأفكار تدعم التحفيز الذاتي والنمو الشخصي.
كيف تعمل التوكيدات على برمجة العقل؟
كما عرفنا في مقال سابق عن التوكيدات، فإن الحديث الداخلي للشخص مع نفسه، والذي نقوم به بصورة تلقائية دون وعي ما هو إلا عبارة عن توكيدات، وتمثل صياغة التأكيدات الإيجابية بصورة صحيحة عملية تغيير الطريقة التي نتحدث بها مع انفسنا، مما يؤدي إلى إعادة برمجة ادمغتنا بما يتناسب مع الطريقة الجديدة في الحديث، وإليك كيف يحدث ذلك
إقرأ أيضا: التوكيدات نظرة جديدة وفهم مختلف
كيف تعمل التوكيدات علمياً داخل الدماغ؟
يرتبط مفهوم صياغة التأكيدات الإيجابية بمبدأ “المرونة العصبية”، حيث أثبتت الدراسات أن ممارسة التوكيدات تنشط مناطق معينة في الدماغ مرتبطة بالتقييم الذاتي والمكافأة.1 حيث يعمل نظام التفعيل الشبكي كفلتر للمعلومات؛ فعندما تكرر توكيدات محددة، يبدأ دماغك في ملاحظة الفرص التي تتوافق مع هذه الكلمات في واقعك، وهو ما يفسر تقاطع قانون الجذب والتوكيدات من منظور علمي؛ حيث يصبح تركيزك مغناطيساً لما تؤمن به.
ما تؤمن به هي الكلمة السحرية التي تساعد في تفعيل التوكيدات، في الجزء التالي سنتطرق للأسباب التي تعيق عمل التوكيدات بصورة فعالة وإن كانت صياغتها صياغة صحيحة.
لماذا لا تنجح التأكيدات أحياناً في تغيير واقعك؟
إلى جانب “التنافر المعرفي2“، تلعب الحالة الشعورية دوراً حاسماً في استجابة العقل الباطن. تكرار الكلمات كآلة جامدة أو شحنها بطاقة مفرطة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، وذلك للأسباب التالية:
- غياب التردد المشاعري: التوكيدات هي “لغة” العقل، لكن المشاعر هي “المحرك”. تكرار الجمل وهي خالية من العاطفة المتزنة يجعلها مجرد ضجيج ذهني لا يستطيع اختراق طبقات الوعي العميقة.
- خلق “فائض احتمال”: وفقاً لبعض مفاهيم توازن الطاقة، فإن الشحن العاطفي الزائد (التعلق الشديد أو الحماس المفرط الناتج عن الخوف من عدم التحقق) يخلق ضغطاً طاقياً يسمى “فائض الاحتمال”. هذا الضغط يولد قوى موازنة تعيق تجلي الهدف لأنك ترسل رسالة “احتياج وافتقار” بدلاً من “وفرة وتحقق”.
- المقاومة الجسدية: عندما تنطق توكيداً لا تؤمن به مشاعرياً، يرسل جسدك إشارات توتر (انقباض في الصدر أو المعدة). هذه المشاعر السلبية تلغي تأثير الكلمات الإيجابية فوراً، حيث يصدق عقلك “شعورك” أكثر مما يصدق “قولك”.
- التركيز على “الندرة” لا “الوفرة”: إذا كنت تكرر التوكيد بدافع الهروب من واقع تكرهه، فإن تركيزك الحقيقي يظل عالقاً في “الواقع المرفوض”، مما يجعل قانون الجذب والتوكيدات يعملان ضدك بتثبيت حالة الحرمان.

كيف تتقن فن صياغة التأكيدات الإيجابية بفعالية؟
لتحويل الكلمات إلى واقع ملموس، يجب أن تتبع صياغتك استراتيجيات نفسية تخاطب العقل الباطن دون إثارة مقاومته، فالعقل الباطن يعتمد في الأساس على التجارب السابقة التي قمت باختبار نتائجها بقوة، فالنتائج تعتبر دليل أقوى من مجرد الكلمات. لذلك للتمكن من إعطاء كلماتك القوة اللازمة لكسر عجلة خبرة العقل الباطن السابقة عليك اتباع القواعد الخمس التالية
القاعدة الأولى: استخدام ضمير الحاضر
عليك أن تصيغ التأكيدة على انها حاضر الآن، حيث أن صياغتها في المستقبل، تجعل منها امرا غير محقق، فتظل هناك بعيدة المنال، وذلك يختلف في ما إذا كانت حاضرة وإليك مثال عملي:
- أن تقول: سأكون سعيدا تجعل من الصعادة امرا مستقبليا لم يتم تحقيقه بعد
- أما ان تقول أن سعيد، تجعل عقلك يتعامل مع واقعك وكل ما تمر به على انه أمر سعيد
هذه الطريقة تؤدي للطريقة التي تنظر بها لواقغك تماما وهو ما يقودنا للقاعدة الثانية
القاعدة الثانية: دمج التأكيدات مع العاطفة المتزنة
كما تعلم فإن للكلمات قوة وطاقة تحملها عند نطقها، لذلك وعند نطق التأكيدات عليك التاكد من ان مشاعرك تجاه التأكيدات نفسها والأمر الذي تتحدث عنه هي مشاعر إيجابية، حتى لا تحدث تناقضا في عقلك حول التأكيدات. يمكنك القيام بذلك من خلال استشعار الحالة الجسدة المصاحبة للتأكيدات، والحرص على ان تكون متوافقة مع منطوق التاكيدة وإليك مثال عملي
- عند تكرارا تأكيدة انا سعيد الان، قم بأخذ نفس عميق واملأ صدك بالهواء، ثم افرد صدرك وابتسم
بهذه الطريقة، أنت تقوم بإرسال إشارة قوية للدماغ بأن هذه الحالة حقيقية وموثوقة، وأنك تعيشها في الواقع فعليا مما يعزز التحفيز الذاتي. هذا الأمر بعيد كل البعد عن التمثيل أو الادعاء أي انك لا تعطي إشارات متناقضة وإنما تتبنى الفعل الذي يتناسب مع منطوق التأكيدة.
القاعدة الثالثة: استخدام تقنية التأكيدات الجسرية لتقليل المقاومة
إذا شعرت بتنافر معرفي عند قول التأكيدة، أي أنك مباشرة وعند ترديدها شعرت وكأنك تكذب على نفس أو تضللها، قم بإعادة صياغتها بطريقة تكون مقبولة لعقلك وتحمل نفس المعنى، ومثال لذلك:
- إذا قمت بترديد عبارة أنا غني، وكان شعورك انك غارق في الديون والمسئوليات المادية فكيف تكون غنيا، قم بإعادة الصياغة لتكون – أنا في عملية مستمرة لزيادة دخلي. أو أنا اتعلم كيف أجذب المال لحياتي.
بهذه الطريقة لا تكون في حالة إنكار وتضليل ولكنك تلقائيا تتحول للحالة الشعورية التي تنقلك من حالة الضحية الذي يشعر أن لاسيء يعمل إلى عقلية الفاعل الذي يقوم بتغيير الوضع الذي يعيشه لوضع أفضل.
القاعدة الرابعة: ربط التأكيدات بفعل عملي
بدلا من القيام بالتأكيدات بصورة ذهنية فقط، قم بصياغة تاكيداتك بحيث تاخذ جانبا عمليا، أو امر انت تقوم به، وهذا سيحولك من حالة التفكير لحالة الفعل، أي انك تعيش تحقيق تاكيداتك في نفس لحظة نطقها مباشرة، المثال السابق يعد مثالا حيا لهذه الطريقة أنا اتعلم كيف آلية جذب المال لحياتي
القاعدة الخامسة: ممارسة الامتنان لنتيجة التاكيدة
عندما تقوم بالشعور بالنتيجة التي ترغب بالوصول إليها ومن ثم ان تكون في حالة امتنان لهذه النتيجة، هذا يجعلها واقعا تعيشه، مما يجعل تحقيقها مسألة وقت فقط، مثال على ذلك:
تخيل حالك عندما تقول انا ذاهب في رحلة، فإنك تقولها وأنت سعيد وكأنك قمت بالرحلة بالفعل، وهذه هي حالة الامتنان، أي انك سعيد بالنتيجة مسبقا وليس متعلقا بها، فالرحلة امر حادث في عقلك وليس أمرا بعيدا لم يتحقق بعد.
كيف تجعل التوكيدات جزءاً من نظامك اليومي لضمان النتائج؟
بعد تعلم صياغة التأكيدات الإيجابية، تظل الخطوة الأهم هي الاستمرارية والدمج الواعي في روتينك. لضمان عدم بقاء هذه الكلمات مجرد “أمنيات”، اتبع الآتي:
- وقت الذروة لبرمجة العقل: أفضل الأوقات لمخاطبة العقل الباطن هي لحظة الاستيقاظ مباشرة ولحظة ما قبل النوم، حيث تكون موجات الدماغ في حالة استرخاء (ألفا/ثيتا) تسمح بمرور المعلومات دون مقاومة “المنطق” الحاد.
- التكرار بذكاء وليس بكثرة: لا تكرر التوكيد مئات المرات بآلية؛ بل كرره 5 إلى 10 مرات بتركيز تام وشعور حقيقي. الجودة في التحدث مع الذات تغلب الكمية دائماً.
- المراقبة والامتنان: راقب التغييرات الصغيرة في يومك. عندما تبدأ برؤية نتائج بسيطة لـ قانون الجذب والتوكيدات، سجلها؛ فهذا يعزز إيمان عقلك بالعملية ويزيد من التحفيز الذاتي.
إقرأ هذا المقال باللغة الانجليزية عن فوائد التوكيدات
التوكيدات ليست عصاً سحرية تغير الواقع بين ليلة وضحاها، بل هي عملية إعادة هيكلة واعية لطريقة تفكيرك. من خلال صياغة التأكيدات الإيجابية صياغة ذكية وواقعية، وفهم عميق لكيفية عمل دماغك، يمكنك تحويل حوارك الداخلي من عائق إلى أكبر داعم لنجاحك.
الأسئلة الأكثر شيوعا
متى تظهر نتائج التوكيدات على أرض الواقع؟
تعتمد سرعة النتائج على مدى استمرارك ومدى انخفاض المقاومة الداخلية لديك. علمياً، يحتاج الدماغ من 21 إلى 66 يوماً لتشكيل مسارات عصبية جديدة. قد تشعر براحة نفسية فورية، لكن التغيير الملموس يظهر مع الالتزام اليومي والعمل المرتبط بالتوكيد.
هل يجب عليّ نطق و صياغة التأكيدات الإيجابية بصوت عالٍ أم يكفي التفكير بها؟
لاهما فعال، لكن النطق بصوت مسموع يضيف قوة إضافية لأنه يشرك حاسة السمع ويعزز قوة الكلمات في ذهنك. إذا كنت في مكان عام، فإن الكتابة أو التكرار الصامت بتركيز يؤدي الغرض، بشرط استحضار الشعور المصاحب.
هل كثرة التوكيدات في اليوم الواحد تشتت العقل الباطن؟
نعم، التركيز سر النجاح. يفضل التركيز على 3 إلى 5 توكيدات قوية وشاملة لجوانب حياتك (الصحة، الوفرة، العلاقات) بدلاً من تكرار عشرات الجمل المشتتة. التركيز المكثف يسرع عملية برمجة العقل
هل التوكيدات تتعارض مع الإيمان أو التوكل؟
لا تتعارض أبداً، بل هي أداة لتعزيز حسن الظن وتوجيه التركيز نحو الوفرة والفرص. صياغة التاكيدات الإيجابية هي أخذ بالأسباب النفسية لتطهير التحدث مع الذات من اليأس والظنون السلبية، مما يجعلك أكثر يقيناً واستعداداً للعمل والإنجاز.
المصادر
- Social Cognitive and Affective Neuroscience, Volume 11, Issue 4, April 2016, Pages 621–629, رابط الدراسة ↩︎
- Cognitive Dissonance definition, APA Dictionary of Psychology رابط تعريف المصطلح ↩︎


